ابن يعقوب المغربي
112
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
( النبات الشديد الخضرة ) حتى مال بشدة اخضراره إلى السواد ، وقد اشترك التشبيهان في كون الوجه محققا فيهما في الطرفين ، لكن وجه الشبه في التشبيه الأول - أعنى تشبيه النجوم بين الدجى بالشعر الأبيض في الأسود - الهيئة الحاصلة من حصول أشياء بيض في جنب شيء أسود ، والوجه في الثاني - أعنى تشبيهها بالأنوار - فيه مخالفة ما لذلك ؛ إذ الأنوار لا يشترط بياضها ، فهو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء متلونة بلون مخالف للون ما حصلت في جانبه مما فيه إظلام ما ، وذلك ظاهر ، فتحقق بما قرر أن تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع صحيح - كما بينا - لوجود وجه الشبه في الطرفين ، وإن كان في السنن بين الابتداع ؛ إنما هو بطريق التأويل وتخييل أن ما ليس بمتلون متلونا ببياض في إظلام على ما قررناه فيما تقدم ، فإذا قيل : النجوم في الدجى كالسنن في الابتداع صح أن يقال في تفسير الوجه في كون كل منهما شيئا ذا بياض بين أجزاء شيء ذي سواد ، وإن كان في الثاني تخييلا ، وتحقق أيضا أن قوله : سنن لاح بينهن ابتداع فيه قلب كما قررنا فيما تقدم ، وأشرنا إلى الاعتذار عنه ، وأن الأصل سنن لحن بين الابتداع ، ف ( إذا ) حقق وجوب اشتراك الطرفين في الوجه ، وأنه لا بد من وجوده فيهما تحقيقا أو تخييلا ( علم ) أن التشبيه إذا اعتبر فيه وجه لم يوجد في الطرفين تحقيقا ولا تخييلا ، فذلك الاعتبار فاسد ، فعلم بذلك ( فساد جعله ) أي : جعل وجه الشبه ( في قول القائل : النحو في الكلام كالملح في الطعام كون القليل ) ، أي : جعل وجه الشبه في ذلك كون القليل من كل من النحو والملح ( مصلحا ) لما وجد فيه ، وهو الكلام في الأول والطعام في الثاني ، ( والكثير ) منهما ( مفسدا ) لما وجد فيه ، وإنما فسد جعل الوجه بين النحو والملح ما ذكر لعدم وجود الوجه المذكور في النحو ، وهو المشبه ، فلم يشترك الطرفان في الوجه ؛ وإنما قلنا : لم يوجد ذلك الوجه في المشبه الذي هو النحو ( لأن النحو لا يحتمل ) أي : لا يقبل ( القلة والكثرة ) فيما يعتبر فيه من الكلام ، وإن قبلها في نفسه بكثرة جزئياته ، لكن لا غرض لنا في كثرة جزئياته ، وإنما الغرض ما يستعمل منه ، ويراعى في الكلام وهو الذي اعتبر في التشبيه ، وبذلك الاعتبار لا تعدد له حتى يحتمل القلة والكثرة ، وبيان ذلك أن النحو قواعد معلومة ، فكل كلام اعتبرته فيه ، فإن راعيت